
حين يتحول الطب من رسالة إلى تجارة(حدث فى العسيرات)
لم يكن الطب يومًا مجرد مهنة، بل رسالة إنسانية قبل أي اعتبار مادي. هكذا تعلم الأطباء، وهكذا أقسموا، وهكذا آمن المجتمع بأن من يرتدي المعطف الأبيض يقف دائمًا في صف الحياة. لكن المؤلم أن هذه القناعة تهتز حين يتحول العلاج إلى فاتورة، والحضانة إلى مزاد، والتنفس إلى خدمة مشروطة بالدفع.
في واقعة صادمة، أُخرج طفل حديث الولادة من على جهاز دعم التنفس (CPAP) داخل حضانة طبية، ليس لتحسن حالته، ولا لانتهاء احتياجه الطبي، بل لعجز أسرته عن دفع 3500 جنيه في اليوم. وبعدها… توفي الطفل.
هنا لا نتحدث عن خطأ طبي وارد، ولا عن تقدير علاجي قابل للاجتهاد، بل عن تحول خطير في المفهوم:
تحول الطب من رسالة إلى تجارة، ومن واجب إنساني إلى معادلة ربح وخسارة.
القانون واضح، وأخلاقيات المهنة أوضح:
في الحالات الطارئة، الطبيب ملزم بالعلاج فورًا، والحساب يأتي لاحقًا. لا يجوز تعليق الحياة على القدرة المالية، ولا ربط استمرار الرعاية بسداد فوري، خاصة حين يكون المريض طفلًا لا يملك حتى حق الدفاع عن نفسه.
إن رفع أسعار الحضانات الطبية دون ضوابط، ثم استخدام هذه الأسعار كأداة ضغط على أسرة مكلومة، هو مغالاة واستغلال، لا يليق بمهنة تقوم في جوهرها على الرحمة. والأخطر أن الامتناع عن تقديم خدمة طبية طارئة، أو نزع مريض من جهاز يعتمد عليه في حياته، يُعد جريمة مكتملة الأركان إذا ترتب عليها ضرر أو وفاة.
المأساة لا تقف عند حدود الفعل، بل تمتد إلى ما بعده:الصمت،التبرير.
وتحويل الجريمة إلى “حادث مؤسف” دون مساءلة.
في مثل هذه الوقائع، لا يكفي التعاطف، ولا تُجدي بيانات الشجب. المطلوب هو تطبيق القانون بصرامة، والذي يجيز:
غلق الحضانة الطبية فورًا
سحب ترخيص المنشأة
إحالة الطبيب للتحقيق الجنائي
شطب الطبيب من مزاولة المهنة مؤقتًا أو دائمًا حسب ما تثبته التحقيقات
لأن ترك مثل هذه الجرائم دون حساب، هو رسالة ضمنية بأن الفقير أقل حقًا في الحياة، وأن من لا يملك ثمن العلاج… قد لا يُمنح فرصة النجاة.الطب رسالة،وحين تُسحب الرحمة من المعادلة،يسقط المعنى،وتسقط المهنة،ويبقى السؤال معلقًا في رقبة المجتمع كله.
نطالب من وزارة الصحة ومن النيابة العامة محاسبة الطبيب المقصر والمتخاذل والمتاجر بأرواح المرضى والمحتاجين لرعاية.
يذكر ان الأستاذ محمود حديوى عرض الامر بالأمس بفيديو مصور للحالة